الخميس، 25 آذار 2010

مسيرات الخروج على الدولة: في انحسار الطائفية و تبلور الهويات الثقافية

يكاد خروج الأهل على الدولة أن يكتمل في لبنان، عقبا على وضاح شرارة الذي أرخ بدايات هذه النزعة في معرض تحليله لمواجهات عام 1973 بوصفها "فصل من تأريخ الحروب الملبننة". تغليب سلطة الأهل و العلاقات الأهلية على الاجتماع السياسي و قوام الدولة كان بنظر شرارة هدفا أساسيا من أهداف الحركة الوطنية تم تحقيقه من خلال اتفاق الطائف و تم إرساء دعائمه خلال السنوات التي تلت الاتفاق. لوهلة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري و الانتفاضة الشعبية التي تلته بدا إن لبنان قد بدأ يخطو خطوات واثقة باتجاه عكس مفاعيل تغليب النزعة الأهلية على قوام الدولة غير إن سلسلة الأحداث التي تلت ذلك المنعطف التاريخي بينت مدى صعوبة هذه المهمة إلى أن جاءت أحداث السابع من أيار لتنهي عمليا هذه المسيرة و تعيد تثبيت دعائم الحكم الأهلي. و ليس تفصيلا إن تلك الدعائم تقوم بشكل كبير على التشكيك بالدولة و أهدافها و أساليبها ووضعها بشكل مستمر تحت مجهر التدقيق بوصفها موضع شك و ريبة خصوصا من خلال علاقاتها بالدول الأخرى و النظام العالمي. و ليس اعتكاف المعارضين عن إمساك زمام الدولة الذي كان بميسرهم قبيل الانتخابات النيابية إلا دليلا على عدم الثقة بالدولة نفسها و ما تمثله، لا فقط الأطراف السياسية التي تعاقبت على تدبير شؤون السلطة التنفيذية.

و ليس من المبالغة بشيء القول بان هذه العلاقة المضطربة مع مفهوم الدولة هي وجه من أوجه التخلف عن الالتحاق بركب الحداثة و أزمة الفرد في مجتمعاتنا الذي لا يزال يعاني من تسلط العلاقات الأهلية و حضور الماضي الفظ و ثقل وطأته. غير أن هذه العلاقة شهدت تحولات كبيرة خلال السنين المنصرمة أدت إلى تحول نوعي في كيفية إنتاج الخطاب الأهلي كبديل و نقيض لمفهوم الدولة الجامعة. تميزت علاقات الجماعات اللبنانية مع بعضها البعض و مع الدولة تاريخيا بتسليم دور الريادة في الاجتماع السياسي إلى الطوائف المسيحية عموما و الموارنة خصوصا و معه دور مخاطبة الغرب و الالتحاق بالحداثة. كان مشروع الحركة الوطنية في بداية الحرب الأهلية يمثل تحديا لهذه المهمة أو بالأحرى للتفويض المستتبع منها بإدارة شؤون البلاد و القبض على زمام الحكم. غير إن الهدف كما تبين لم يكن اخذ البلاد إلى نظام أكثر ديمقراطية و شفافية بل إلى تكريس سلطة الجماعات على النظام و تدوين أسس محاسبته من خارج المؤسسات في صميم المواثيق و الأعراف و جعل الشك و الريبة أسسا لهذه العلاقة لا عوارض تنشا من الاختلاف السياسي. هذه العلاقة بالأساس تقضي على السياسة كحلبة تنازع الأفكار و المفاهيم و تحيلها هيكلا شكليا فارغا.

ما تغير بعد الحرب هو تطوير مختلف الجماعات اللبنانية لقدراتها الخاصة للاتصال بالحداثة عبر مناظريها و مفاهيمها و بمعزل عن الدولة و الدور المحوري التي كانت تلعبه الطائفة المارونية التي فقدت قدرتها على الريادة في هذا المجال و إن كانت لا تزال تحتل مركزا أساسيا في الاقتصاد و الاجتماع السياسي. و ترافق بروز دور الجماعات مع انحسار الأفكار الكونية في السياسة و الاجتماع و الثقافة و نشوء أفكار مغايرة تقوم على إعلاء شان الخصوصيات الثقافية و تبلورها في شكل المجتمعات المتعددة الثقافات الذي تبنتها الكثير من البلدان كنماذج تنظيم اجتماعي و سياسي. و لعب انحسار دور أفكار الحداثة و انتشار أفكار ما بعد الحداثة دورا كبيرا في التنظير لهذه المجتمعات و إعطائها الأطر القانونية و السياسية. بدا جليا في الدول الغربية التي نحت نحو هذا النموذج إن خطوط الفصل بين الجماعات ازدادت حدة نتيجة لهذا النمط في تنظيم المجتمع فازداد تقوقع الجماعات على أنفسها و انعزالها عن المجتمع بشكله الأوسع. المفارقة تكمن بان توفر وسائل الاتصال بالحداثة و قدرة الجماعات على ولوجها منفردة زادت في إضعاف الأواصر الاجتماعية الطوعية و الفردية و أنتجت قواسم حادة بين الجماعات عبر إعلاء شان الهوية الثقافية و الاحتفال بها على أنقاض الأفكار الكونية الجامعة.

لم يشذ الاجتماع اللبناني عن هذا الاتجاه العام فبدأ التفكك ألقسري الذي فرضته الحرب يأخذ شكلا مغايرا بعد انتهائها. فرغم عودة بعض المناطق إلى الاختلاط ترافق هذا المنحى مع ازدياد حدة الفوارق بين الجماعات اللبنانية و أخذها أشكال ثقافية و اجتماعية و سياسية دفعها انعدام الحواجز المادية إلى العلن بشكل فظ. تظهر هذه الفوارق بشكل حاد اليوم في خيارات الترفيه و التسوق و طرق استعمال المساحات العامة التي تختلف بشكل جذري بين جماعة و أخرى. قد يكون أكثر هذه النماذج وضوحا هو الضاحية الجنوبية التي تطورت بشكل يختلف كل الاختلاف عن المناطق الأخرى تحت أنظار و رعاية حزب الله الذي يضع معايير محددة لما هو مقبول أو غير مقبول من أنماط الاختلاط العام و الترفيه و التسوق و السكن. و ترافق هذا الانفصال المادي مع ابتعاد ذهني و نفسي يكاد يكون أكثر حدة و يمكن لمسه حين تسقط الأقنعة المهذبة على الانترنيت التي أنتجت بدورها فضائات متوازية ترتادها الجماعات اللبنانية على هواها. هذا الفضاء الافتراضي يشكل جزئا مهما من تطوير الجماعات اللبنانية لقدراتها على الاتصال بالحداثة بشكل مستقل و منظم يجاهد ليعزل أفراده عن العالم الأخر و يقوم بإعادة إنتاج و تقوية حدود الهوية الثقافية الواضحة التي لا تجد من ينتقدها في هذا الفضاء المُحتكر. كل الجماعات اللبنانية تمارس هذا التسلط على الهوية الثقافية التي تنتج خيارات سياسية واضحة لا مجال لمعارضتها لكونها في مقام البديهيات. قد ينفلت من هذه المعادلة أفراد لكنهم يفعلون ذلك كفتات اجتماع ينحى بثقله في اتجاه مغاير.

من الانعكاسات المهمة لهذا التفكك على الاجتماع اللبناني تعديه نطاق الطوائف و إن كانت لا تزال الأكثر فعالية في إنتاج ملامح الهوية الثقافية. فالخارجون عن طوائفهم لهم مجموعاتهم و فضائاتهم أيضا و إن لم تكتسب حتى ألان حدة الهويات الطائفية. فيصبح اليسار مثلا نادي ثقافي مهمته تعزيز هوية مريديه لا التغيير الاجتماعي و السياسي، وينتج المثليون فضائهم الخاص و يبتعدون عن الشعارات الواسعة نحو انتزاع حقوقهم كمجموعة واضحة المعالم، و يتوج هذا كله بمسيرة من اجل دولة علمانية يفضح اسمها باللغات الأجنبية هدفها الحقيقي بتكريس العلمانيين كالطائفة التاسعة عشر أو العشرين. هذه المسيرة المنقولة عن نموذج مسيرات المُثليين في الغرب تريد الاحتفال بالهوية العلمانية بوصفها خيارا فرديا و نمط عيش لا أساسا من أسس الدول الديمقراطية الحديثة ينبغي تكريسه في النصوص و الممارسة. كل ما سبق يشير بوضوح إلى انفراط عقد الاجتماع اللبناني و إعادة تشكيله كهويات ضيقة تعيش متجاورة لكن غير متلامسة. و يتلاشى بذلك دور الدولة و السياسة أكثر فأكثر ليفرغ الساحة لضوضاء الجماعات المتشرذمة التي تمارس كل منها سلطتها بإعاقة تطور الدولة التي لن يأتي إلا على حساب هذا التطلب الأهلي اللحوح.

ختاما، المطلوب اليوم هو العودة إلى السياسة بمعناها الأوسع الذي يقوم على تنازع الأفكار لا على تنافس الهويات، و إحلالها حكما بين اللبنانيين و وسيلة لدفع المجتمع نحو التقدم و كسر تسلط الجماعات على أفرادها. يفترض كل هذا الانعتاق من سلطة الماضي و ارثه الثقيل الذي يرزح على صدورنا، لا الاحتفال بالموروثات و تكريس سلطتها. و بالموازي يتطلب ذلك مشاريع تغيير واسعة لا مسيرات متشتتة تنحوا كل منها في اتجاه مغاير نحو تبلور هويات ضيقة و إن بدت خيارات عصرية بوصفها مستوردة من الغرب. قد يستفيد بعض محترفي التشكيك بمنطق الدولة من العودة إلى اللحظة التي سبقت انفجار الحروب الأهلية علهم يعون كم يشبه خطابهم اليوم الخطاب الذي مهد لذلك الانفجار و الذي قام على تغليب المنطق الأهلي على منطق الدولة. هل علينا أن نخوض الحرب مجددا تحت الشعارات نفسها كي نتعظ؟





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق